حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

66

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الكتفين . رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له . فقال اليهودي : إي واللّه إنها لأسماؤها . وأقول : إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة ، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء . وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [ البقرة : 98 ] وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له : كيف رأيتها ؟ فقال : رأيتهم لي ساجدين . والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع . وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام : وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ [ الأعراف : 198 ] وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر . عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر ، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر . وقيل : هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك . وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة ، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعتها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال : إياك أن تذكر هذا لإخوتك . ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له : لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل . وقيل : كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة . وقيل : ثمانون . قال علماء التعبير : إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن ، والرؤيا الجيدة يبطئ أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم . قوله فَيَكِيدُوا منصوب بإضمار « أن » جوابا للنهي . واللام في لَكَ لتأكيد الصلة مثل « نصحتك » و « نصحت لك » . وقال في الكشاف : ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معنى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف . وقيل : متعلق بالمصدر الذي بعده . ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئا من تعبير رؤياه فقال : وَكَذلِكَ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ لأمور عظام . والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك ، وجبيت الماء في الحوض جمعته ، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة . قال في الكشاف وَيُعَلِّمُكَ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل : وهو يعلمك ويتم نعمته عليك . أقول : ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر . وفي تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وجوه منها : أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم ، سمى التعبير تأويلا لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك . والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث